فخر الدين الرازي
513
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والأحكام والأسماء ، وقد شرحناه في أول سورة الحديد ، ومضى شيء منه في تفسير قوله : وَنُقَدِّسُ لَكَ [ البقرة : 30 ] وقال الحسن : إنه الذي كثرت بركاته . وقوله : السَّلامُ فيه ووجهان الأول : أنه بمعنى السلامة ومنه دار السلام ، وسلام عليكم وصف به مبالغة في كونه سليما من النقائض كما يقال : رجاء ، وغياث ، وعدل فإن قيل فعلى هذا التفسير لا يبقى بين القدوس ، وبين السلام فرق ، والتكرار خلاف الأصل ، قلنا : كونه قدوسا ، إشارة إلى براءته عن جميع العيوب في الماضي والحاضر ، كونه : سليما ، إشارة إلى أنه لا يطرأ عليه شيء من العيوب في الزمان المستقبل فإن الذي يطرأ عليه شيء من العيوب ، فإنه تزول سلامته ولا يبقى سليما الثاني : أنه سلام بمعنى كونه موجبا للسلامة . وقوله : الْمُؤْمِنُ فيه ووجهان الأول : أنه الذي آمن أولياء عذابه ، يقال : آمنه يؤمنه فهو مؤمن والثاني : أنه المصدق ، إما على معنى أنه يصدق أنبياءه بإظهار المعجزة لهم ، أو لأجل أن أمة محمد صلى اللَّه عليه وسلم يشهدون لسائر الأنبياء ، كما قال : لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [ البقرة : 143 ] ثم إن اللَّه يصدقهم في تلك الشهادة ، وقرئ بفتح الميم ، يعني المؤمن به على حذف الجار كما حذف في قوله : وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ [ الأعراف : 155 ] . وقوله : الْمُهَيْمِنُ قالوا : معناه الشاهد الذي لا يغيب عنه شيء . ثم في أصله قولان ، قال الخليل وأبو عبيدة : هيمن يهيمن فهو مهيمن إذا كان رقيب على الشيء ، وقال آخرون : مهيمن أصله مؤيمن ، من آمن يؤمن ، فيكون بمعنى المؤمن ، وقد تقدم استقصاؤه عند قوله : وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ [ المائدة : 48 ] وقال ابن الأنباري : المهيمن القائم على خلقه برزقه وأنشد : ألا إن خير الناس بعد نبيه * مهيمنه التاليه في العرف والنكر قال معناه : القائم على الناس بعده . وأما الْعَزِيزُ فهو إما الذي لا يوجد له نظير ، وإما الغالب القاهر . وأما الْجَبَّارُ ففيه وجوه أحدها : أنه فعال من جبر إذا أغنى الفقير ، وأصلح الكسير . قال الأزهري : وهو لعمري جابر كل كسير وفقير ، وهو جابر دينه الذي ارتضاه ، قال العجاج : « قد جبر الدين الإله فجبر » . والثاني : أن يكون الجبار من جبره على كذا إذا أكرهه على ما أراده ، قال السدي : إنه الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما أراده ، قال الأزهري : هي لغة تميم ، وكثير من الحجازيين يقولونها ، وكان الشافعي يقول : جبره السلطان على كذا بغير ألف . وجعل الفراء الجبار بهذا معنى / من أجبره ، وهي اللغة المعروفة في الإكراه ، فقال : لم أسمع فعالا من أفعل إلا في حرفين ، وهما جبار من أجبر ، ودراك من أدرك ، وعلى هذا القول الجبار هو القهار الثالث : قال ابن الأنباري : الجبار في صفة اللَّه الذي لا ينال ، ومنه قيل للنخلة التي فاتت يد المتناول : جبارة الرابع : قال ابن عباس : الجبار ، هو الملك العظيم ، قال الواحدي : هذا الذي ذكرناه من معاني الجبار في صفة اللَّه ، وللجبار معان في صفة الخلق أحدها : المسلط كقوله : وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ ق : 45 ] ، والثاني : العظيم الجسم كقوله : إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ [ المائدة : 22 ] والثالث : المتمرد عن عبادة اللَّه ، كقوله : وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً [ مريم : 32 ] ، « والرابع : القتال كقوله : بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ [ الشعراء : 130 ]